الدرس الثاني: التركيب الذري
الثانوي - الصف الثاني عشر - المسار الأكاديمي
الدرس الثاني: التركيب الذري
Atomic Structure
الفكرة الرئيسة
تتكون الذرة من نواة موجبة الشحنة تدور حولها إلكترونات سالبة الشحنة في مدارات (مستويات طاقة) مكمّاة؛ أي لا يمكن للإلكترون أن يشغل أي مدار بل مدارات محددة فقط. هذا النموذج، الذي طوره نيلز بور، نجح في تفسير استقرار الذرة وطيفها الخطي، ومهّد الطريق لفهم الطبيعة المزدوجة (موجة-جسيم) ليس فقط للضوء بل للمادة أيضًا.
أولاً: الحاجة إلى نموذج جديد للذرة
بعد اكتشاف الإلكترون والنواة، وُضعت عدة نماذج للذرة:
نموذج طومسون (1904)
تصور الذرة ككرة مصمتة موجبة الشحنة مغروس فيها الإلكترونات السالبة مثل "كعكة الزبيب". هذا النموذج كان خاطئًا، وقد أثبتت تجربة رذرفورد عدم صحته.
نموذج رذرفورد (1911) – النموذج الكوكبي
من خلال تجربة تشتت جسيمات ألفا على صفيحة ذهبية، استنتج رذرفورد أن الذرة تتكون من نواة صغيرة جدًا موجبة الشحنة (مركز الكتلة) تدور حولها إلكترونات في مدارات دائرية (مثل الكواكب حول الشمس).
مشكلة نموذج رذرفورد (فشل الفيزياء الكلاسيكية)
- الإلكترون جسم مشحون يدور في مدار دائري، وبالتالي يمتلك تسارعًا مركزيًا.
- حسب النظرية الكهرمغناطيسية الكلاسيكية، أي شحنة متسارعة تشع طاقة بشكل متصل.
- نتيجة لذلك، يجب أن يفقد الإلكترون طاقته تدريجيًا ويتحرك في مسار حلزوني نحو النواة إلى أن يسقط فيها، مما يعني انهيار الذرة في زمن قصير جدًا.
- كما أن هذا الإشعاع المتصل لا يتوافق مع حقيقة أن الذرات تشع أطيافًا خطية (غير متصلة) وليس طيفًا مستمرًا.
ثانيًا: فرضيات بور لذرة الهيدروجين (1913)
لحل هذه المعضلة، قدم نيلز بور نموذجه الثوري الذي دمج فيه فكرة تكمية الطاقة لبلانك وأينشتاين. اعتمد بور على ثلاث فرضيات أساسية:
الفرضية الأولى (المدارات المستقرة)
يدور الإلكترون حول النواة في مدارات دائرية محددة ومستقرة، تسمى مستويات الطاقة المسموحة. طالما بقي الإلكترون في أحد هذه المدارات، فإنه لا يشع طاقة (يفقدها) ولا يمتصها، على عكس ما تنبأت به النظرية الكلاسيكية.
الفرضية الثانية (كمّية الطاقة والانتقالات)
يشع الإلكترون طاقة أو يمتصها فقط عندما ينتقل فجأة من مستوى طاقة إلى آخر. هذا الانتقال يصاحبه انبعاث أو امتصاص فوتون واحد طاقته تساوي الفرق بين طاقتي المستويين:
- إذا انتقل من مستوى أعلى (E_i) إلى مستوى أقل (E_f) ← انبعاث فوتون (يفقد الإلكترون طاقة).
- إذا انتقل من مستوى أقل إلى مستوى أعلى ← امتصاص فوتون (يكتسب الإلكترون طاقة).
الفرضية الثالثة (تكمية الزخم الزاوي)
المدارات المسموحة للإلكترون هي فقط تلك التي يكون فيها الزخم الزاوي للإلكترون (L) مكمّى، أي يساوي عددًا صحيحًا من مضاعفات الثابت ħ (الذي يساوي h/2π):
حيث n يسمى الرقم الكمي الرئيسي ويرمز لمستوى الطاقة.
بناءً على هذه الفرضيات وقانوني كولوم ونيوتن، استطاع بور حساب أنصاف أقطار المدارات المسموحة وطاقاتها. بالنسبة لذرة الهيدروجين (التي تحتوي إلكترونًا واحدًا فقط)، توصّل إلى العلاقة الشهيرة لطاقة الإلكترون في المستوى n:
مستوى الاستقرار (Ground State)
هو المستوى n = 1، وهو أقل طاقة ممكنة للإلكترون (-13.6 eV). في هذا المستوى تكون الذرة في أكثر حالاتها استقرارًا.
مستويات الإثارة (Excited States)
هي المستويات الأعلى (n > 1). طاقاتها أقل ارتباطًا وأكبر قيمة.
طاقة التأين (Ionization Energy)
هي الطاقة اللازمة لتحرير الإلكترون تمامًا من الذرة (نقله من n = 1 إلى n = ∞). مقدارها 13.6 eV.
الإشارة السالبة تعني أن الإلكترون مرتبط بالنواة (كلما كانت الطاقة سالبة أكثر، كان الإلكترون أقرب للنواة).
أمثلة (من الكتاب):
مثال (10) صفحة 122: حساب طاقة الفوتون المنبعث
المسألة:
احسب طاقة الفوتون المنبعث عند انتقال إلكترون ذرة الهيدروجين من مستوى الطاقة الثالث (n = 3) حيث E₃ = -1.50 eV إلى مستوى الطاقة الثاني (n = 2) حيث E₂ = -3.40 eV.
الحل:
مثال (11) صفحة 122: حساب تردد الفوتون اللازم
المسألة:
ما تردد الفوتون اللازم لنقل إلكترون ذرة الهيدروجين من المستوى الثاني (n = 2) إلى المستوى الثالث (n = 3)؟
الحل:
ثالثًا: الأطياف الذرية (Atomic Spectra)
1. أنواع الأطياف:
الطيف المتصل Continuous Spectrum
يحتوي جميع الألوان والأطوال الموجية دون انقطاع. ينتج من الأجسام الصلبة والسائلة المتوهجة (مثل ضوء الشمس قبل تحليله).
طيف الانبعاث الخطي Emission Line
خطوط مضيئة منفصلة على خلفية سوداء. ينتج من غاز ساخن (مثار) لعنصر معين. يمثل بصمة مميزة للعنصر.
طيف الامتصاص الخطي Absorption Line
خطوط معتمة على خلفية طيف متصل. ينتج عند مرور ضوء عبر غاز بارد، ويمتص نفس الأطوال التي يشعها. مثال: خطوط فراونهوفر.
2. نموذج بور وطيف ذرة الهيدروجين:
باستخدام علاقة الطاقة E_n = -13.6 / n²، استطاع بور حساب الأطوال الموجية للفوتونات المنبعثة عند انتقالات الإلكترون في ذرة الهيدروجين. المعادلة العامة لحساب الطول الموجي للفوتون المنبعث أو الممتص هي:
λ: الطول الموجي للفوتون.
R_H: ثابت ريدبرغ = 1.097 × 10⁷ m⁻¹.
n_i, n_f: رقما المستويين الابتدائي والنهائي.
إذا كان n_i > n_f ← انبعاث. وإذا كان n_i < n_f ← امتصاص.
سلاسل الطيف:
عند انتقال الإلكترون من مستويات عليا (n_i = 3, 4, 5, ...) إلى n_f = 2، تكون الفوتونات المنبعثة في منطقة الضوء المرئي. هذه السلسلة تسمى سلسلة بالمر (Balmer Series). وقد نجح نموذج بور في حساب أطوالها الموجية بدقة مذهلة.
أمثلة (من الكتاب):
مثال (12) صفحة 126: حساب أطوال موجات سلسلة بالمر
المسألة:
احسب الطول الموجي لأول خطين في سلسلة بالمر (أي الانتقال من المستويين n = 3 و n = 4 إلى المستوى n = 2).
الحل:
أ) الخط الأول (n = 3 → n = 2):
ب) الخط الثاني (n = 4 → n = 2):
رابعًا: الطبيعة الموجية-الجسيمية المزدوجة
بعد أن أثبت العلماء أن للضوء طبيعة مزدوجة (موجة وجسيم)، طرح الفيزيائي الفرنسي لويس دي بروي عام 1923 فكرة ثورية: إذا كان للضوء خصائص جسيمية، فلماذا لا يكون للمادة خصائص موجية؟
فرضية دي بروي (de Broglie’s Hypothesis)
أي جسم متحرك تصاحبه "موجة مادية"، ويُعطى طولها الموجي بالعلاقة:
λ: طول موجة دي بروي.
p = mv: زخم الجسيم.
لماذا لا نلاحظها في حياتنا اليومية؟
لأن ثابت بلانك h صغير جدًا. لجسيم كبير (كرة تنس)، طول الموجة (≈ 10⁻³⁴ m) شبه معدوم. أما لإلكترون سريع، فإن طول الموجة (≈ 0.73 nm) يقارب المسافات بين الذرات، لذا يمكن قياسها بتجارب الحيود.
تأكيد تجريبي (دافيسون وجيرمر، 1927)
تم إطلاق إلكترونات على بلورة نيكل، فظهر نمط حيود يشبه حيود الضوء! هذا يثبت سلوك الإلكترونات الموجي، وأدى لابتكار المجهر الإلكتروني ذي القدرة التحليلية الهائلة.
أمثلة (من الكتاب):
مثال (13) صفحة 128: حساب طول موجة دي بروي
المسألة:
احسب طول موجة دي بروي لكل من:
- إلكترون يتحرك بسرعة v = 1.0 × 10⁶ m/s
- رصاصة كتلتها 50 g وتتحرك بسرعة 400 m/s
الحل:
أ) للإلكترون:
ب) للرصاصة:
نلاحظ أن الطول الموجي للرصاصة صغير جداً لا يمكن قياسه، مما يفسر عدم ملاحظة السلوك الموجي للأجسام الكبيرة.
مثال (14) صفحة 129: الإلكترون المسرّع
المسألة:
احسب طول موجة دي بروي لإلكترون تسارع من السكون عبر فرق جهد قدره 2.7 V.
الحل:
خلاصة الدرس
- نموذج رذرفورد النووي عجز عن تفسير استقرار الذرة والأطياف الخطية.
- نموذج بور فسّر استقرار الذرة، وطاقة التأين، والأطياف بدقة عبر مستويات طاقة مكمّاة (E_n = -13.6/n² eV).
- فرضية دي بروي وسّعت الطبيعة المزدوجة لتشمل المادة، وأثبتت التجارب أن الإلكترونات تسلك سلوك الموجات، مما أرسى أساس ميكانيكا الكم الحديثة والتكنولوجيا كالليزر والمجاهر الإلكترونية.
نصائح للدراسة
- انتبه للوحدات: دائماً حوّل الطاقة من eV إلى الجول (J) عند استخدام علاقة بلانك أو مقلوب الطول الموجي أو طاقة الحركة.
- في معادلة ريدبرغ، n_f هو المستوى النهائي، و n_i هو المستوى الابتدائي. عندما يمتص الإلكترون فوتون ينتقل إلى مستوى طاقة أعلى.
- مستويات الطاقة السالبة في مسألة نماذج بور تعني أن الإلكترون موجود داخل الذرة ومرتبط بالنواة.
- لتبسيط تذكر سلسلة بالمر المرئية: ينتج الضوء المرئي دائمًا عند عودة الإلكترون المهيج إلى المستوى الثاني (n=2).
- في علاقة دي بروي لحساب الطول الموجي للمادة، تأكد من أن الكتلة مقاسة بوحدة kg والسرعة بوحدة m/s.